الخميس، 17 أبريل، 2008

خرييد في دروب الظل.

انظر بعينان لا تحيدا عن النظر الى تلك الزاويه البعيده للغرفه التى باتت ملاذي بعيدا عن العالم الخارجي ،انظر الي اللاشئ ، اصغي الي اصداء احاديث الصمت التي تزاحمت لتملأ علي وحدتي . لم اعلم لم اخترت هذه الغرفه دون غيرها من الغرف التي امتلا بها المنزل ، فبالرغم مما كانت تسببه لي من الرهبه و الخوف في الماضي اخترتها ، ربما لهذا السبب اخترتها، لاني لم اعد اخافها ، لم اعد اخاف صاحبها . ليس ذلك بسبب موته وانما لأني تجرعت من الخوف كؤوسا" ما كان ليتجرعها احد الا و اكلته حيا".

انظر الى صورته التي قلدت صدر الحائط كدليل على ملكيته للغرفه حيا" كان ام ميتا"، انظر اليها وقد اتسعت الظلال المحيطة باطارها مع انحسار ضوء الشمس عن نافذة الغرفه ، خيل الي ان تلك الظلال سوف تظل تتمدد حتى تطبق بقبضتها على عنقي. تعذر علي التنفس افغر فاهي علّ ذلك يجديني، اصبح هواء الغرفة ثقيلا" يصعب استنشاقه . انتفضت من على الاريكة التي كنت اجلس عليها واقفا"ممسكا" في يدي كاسا" فرغ محتواه ، انظر الى الصورة مرة اخيره ثم اتجه في خطوات متثاقله الي المكتب اجلس خلفه انظر الى الاوراق المتناثره امتدت يدي لتجمع في أنة شتات تلك الاوراق و وددت ان استطيع جمع شتات حياتي او ما بقي منها بنفس السهوله.

اشعل سيجارة" اسحب منها نفسا" عميقا" كانها آ خر سيجارة سوف ادخنها في حياتي ، احرص على ان اتمتع بكل ذرة تبغ وضعت في هذه اللفافه . انظر في هذه الاثناء الى الاوراق ممعنا" النظر اليها ، أزم على جماح فكري الذي تزاحمت فيه الافكار والجمل ، اوسم خير الكلام و افضله تاركا" العنان لما دون ذلك بالمرور كسحابة صيف مرت على ارض قفر فلا هي اظلتها ولا هي روتها . ما ان مس القلم الورق حتي رحت اكتب بلا انقطاع ، منكبا" على اوراقي كأن فيها خلاص مما انا فيه ، او ربما بها ترياق لسقم عجز الدهر ان يبرأه . الدنيا ... استوقفني هذا الهاجس لوهله ، هذه الدنيا كيف هي ؟! أهي كالحية ناعم ملمسها قاتل سمها، ام انها سراب يراه الظمآن فيركض ورأه فلا يدركه و كلما ركض اعياه الظمأ و هكذا دوالييك الي ان يلقى حتفه، ام انها اقدار كتبت يوزعها الخالق على من يشاء كيفما يشاء و ما نحن الا دمى في مسرح الحياة مسيريين و مخيريين و لكن لم و فيم لا أعلم لو كان هناك جواب لما افنى جلجامش حياته يبحث عن سر الوجود . ابتسم ممتعضا" اسخر من هلوساتي ، اطفئ السيجاره التي اوشكت ان تحرق اصبعي .

اجوب ببصري في أنحاء الغرفه اتأملها ، ما ان يلج الليل ملقيا" علي بخمائله حتى انحجرت في هذه الغرفه . افضل البقاء بين جدرانها فلا ابرحها الا للضروره ،خارج هذه الغرفه عالم لا اطيقه، عالم الحريات المقيده . عالم من الوهم نسجته عقول الناس ليضفو على حياتهم معنى ، عالم يملؤه الزييف ، تكتسي فيه الحقائق بحلل مبهرجه تخفي اسفلها اجساد مهترئه . خلف الوجوه وجوها ، الكلمات تحمل اكثر من معني . لماذا يكبد الناس انفسهم عناء التصنع و المجاهره بالرياء حتى تحول الاخير الى صنعة يجب ان يتقنها ايا" كان. ربما افتقاري لهذه الموهبه اكسبني ما هو اهم منها وهو التعرف على معادن الناس. فبت افطن الى ما لا يفطن اليه غيري ، أقرأ الناس كأنهم صحف كتب على نواصي اصحابها يتعذر على غيري تحسس معانيها ، تثاقلت علي الافكار كما تثقل على رجل مندحق البطن بطنه، اضع القلم من يدي في ايمأة مني له بان يستريح.

كان قراري نهائيا" عندما عقدت العزم على ترك القاهره لأنقل مقر اقامتي الى لندن . وما أشبه اليوم بالبارحه، فمنذ اكثر من خمس و عشرون عاما" اتخذت قرا" مماثلا" بالعودة الى مصر في منتصف سنه 1972 م قاطعا" بذلك رساله الدكتوراه التي لم ألبث ان أشرع في تنفيذها الا و قطعتها يقينا" مني أن هنالك ما هو اسمى من ما انا لاهي فيه الآن و هو الجهاد، لم أكن متدينا" أو عاشق لثرى مصر أهب للذود عنها، لم أؤمن بترهات الانتماء أو الوطنيه أو أي من تلك الكلمات البراقه التي تفرض عليك اشياء" قد يرفضها عقلك لكنها ما تزال تداعب وجدانك. لكن كان هناك في الجهاد فكره اعجبتني ، بعيدا" عن النعرات و الحّميه العربيه المزعومه ، حيث كان يصيبني الغثيان كلما سمعت مسؤولا" عربيا" في تلك الفتره يتشدق بها ، و بعيدا" عن تحرير الاراضي العربيه التي اغتصبها الصهاينه ، كنت أنظر الى وازع آخر يدفعني اليه و هو فكرة الموت . لطالما أردت ان اموت ، لكني وجدت في قتلي لنفسي كفرا" ، و في أن يأتيني الموت و أنا راقد في فراشي هوان لا أقبله، كنت سوف أرضى به لو كان أتاني عندما تمنيته وأنا طفل صغير، الموت بالنسبة لي كان غايه أفتقد الى الوسيلة لتحقيقه ، اما الان وقد بزغت من ظلال الحيره نور يهتدى اليه في الشهادة ، ميتة تروق لي ، أموت بطلا" في نظر نفسي أنهي حياتي التي ملأها الوهن بشئ من العزة و الوقار، أنسّل بروحي من قبضة والدي التي لا ترحم الى قبضة الذي وسعت رحمته كل شئ.

لم يلقى طرحي لفكره الالتحاق بالجيش قبولا" لدى العائله حيث كان وقع الخبر على والدتي السيده حكمت الخازندار عنيفا" فبالرغم من اعتراضها الواضح و فشل محاولاتها المتكرره في ان تثنيني عن ما انا مقبل عليه ، احترمت رغبتي و قالت لي و قد اختلط في صوتها الحزن باليأس "اعمل ما بدا لك يا ابني ، ما دامت دي رغبتك ، و انا ربنا يصبرني"

على الجانب الآخر من الغرفه جلس السيد شهدي خليل القرنقوط والدي حفيد خليل باشا ابراهيم القرنقوط، ، غير مكترث لحديثي مع والدتي لاه عنا بقرأة جريدة الأيجيبشن جازيت ، لم يابه حتى بالتعليق ، و قد آلمني ذلك . انظر اليه في وهن استجديه انتباهه، اطلب اليه ان يبارك قراري او حتي ينهرني فيمنعني من الخروج من المنزل كما كان يفعل معي و انا صبي، لكن ظل الصمت سيد الموقف فلا هو نبس ببنت شفه ولا انا استجديته اهتمامه . فعلى أي حال اليس هو نفس الشخص الذي كان يتمنى موتي منذ زمن بعيد لأني لم اكن جديرا" بحمل اسم العائله ، فلم اكن في رأيه الابن الذي يصبو اليه ، فكان يتمنى ان يبقى بلا عيال على ان يكون له ابن مثلي . وعلى أسوأ تقدير ها انا احقق لهذا الداروني امنيته ، فبالنسبه له البقاء يجب ان يكون للاصلح ليس الاقوى ليس الاذكى ، بل الاصلح...الاصلح للارتقاء في سلم ذلك المجتمع القاهري المخملي الذي ساد نفوذه حتى اوائل الستينات .

( 2 )

استنطق الصمت الذي بسط نفوذه على ثنيات الغرفه مكمما" افواه الحاضريين ، كل جاء من اجل ان يودع ذلك الشاب ، نجل السيد شهدي والسيده حكمت ، لم يات احد من اجلي انا . غدا" ارحل الى معسكر التدرييب الكائن بالأكاديمية الحربيه ، كان من حسن حظي ان والدتي استخدمت اتصالاتها النافذه من خلال شقيقها السيد حلمي الخازندار صديقا" شخصيا" لعدد من وجوه الحكومه الجديده التي استولت على الحكم عقب الثوره كان من بينهم عدد من رجالات الجيش و لواءاته مما سهل منحي رتبة ضابط و حال دون معاملتي كمتطوع في صفوف الجيش برتبه جندي ليجنبني ما يعانيه الجنود من القهر و المعاملة السيئه ،

و بما اني حاصل على شهادة الماجيستير في الكيمياء البيلوجيه من جامعة الملكه اليزابيث بانجلترا تم تجنييدي في سلاح الحرب الكيماويه .

احاديث متناثره كالهشيم يحترق ، " خساره يا ابني تضيع شبابك في الحرب ،الدوله زي ما تحتاج عسكر بكره تحتاج عقول تبني اللي تخلفه الحرب من دمار " يقول احد الحضور مخاطبا" اياي ، أومئ براسي مبتسما" ، يطّرد آخر في حماسه بعدما شد على يدي،و اعتصر اضلاعي ضاما" اياي " عفارم يا ولد ،والله راجل ... بالسلامه يا ابني " اشد على يده شاكرا" اياه، أتيه ببصري باحثا" عنها، تلك التي علقت عيناي عليها، بينما تجوب مقلتاي صدر البيت ، لا اجدها ، تختفي كما يختفي كل شئ جميل في حياتي . تتسارع خطواتي اجوب انحاء البهو بلا جدوى . اعود الى دنيا الناس بعد ذلك الحلم الجميل الذي غسل عني همومي كما يغسل المطر سفوح الجبال، لاْشعر بالوحدة من جديد على الرغم من كثرة البشر الذين عج بهم المكان . كانت تلك الحظات كفيله باحاله الصمت الى هرج و مرج ، احاديث و ضحكات ، جدالات و مهاطرات لا طائل منها . محاولات البعض ان يثنيني عن ما انا مقحم نفسي فيه و اطراء البعض الذي كان ليثلج صدر اي رجل غيري . هناك كان يجلس والدي ينظر الى الناس باستخفاف ، تقلصات وجهه و ابتساماته القصيره التي ما تلبث ان تحتال الى وجوم و صرامة لم اعهده كذلك بين الناس ، كان دائم الدماثه قهقهاته كانت تملأ المكان مجاملا" هذا و ذاك . نظراته الآن تعبر عن ازدرائه للموقف ، لم يكن هو نجم الحفل لم يكن اهتمام الناس منصبا" نحوه ، اختفت ضحكات الناس على عباراته، لا يوجد احد يشرب في صحته اي شئ . علمت ان المكان بالنسبة له ليس اكثر من ارض خربه يعلو فيها صفير صراصير الحقول و نقيق الضفادع . يوجه نظرات لي بين الفينة و الفينه مفادها ان عش هذه اللحظات و اغتنمها ،لانها قد تكون آجر شئ جيد يمكن ان تحظى به حتى حين، يقف ، يستعدل هندامه ، يعتذر للناس لاضطراره للمغادره متمنيا" سهرة" سعيده للجميع ، ينصرف و قد ازعجزه اهتمام الناس الزائد بي .

***** ***** ***** *****

(3)

القي من على كاهلي اثقال الماضي الذي بات يجذبني الى اعماق عالم مظلم اتحسس دروبا" طمست معالمها من شدة العتمه ، اجتر في حلقي مرارات سممت علي حياتي ، انظر الى شخوص تشخص امامي تتحدث الي و اتحدث اليها ، تنساب العبرات من مقلتي تشق طريقا" في وجه يبست فيه اغادير الحياة ، شاخت منه القسمات في مقتبل العمر . اليوم اْتم عامي الخامس و الاربعين، مازلت اجلس في هذه الغرفه التي تطل شرفتها على شارع موازي للجهة الغربيه لحديقة ( وستمنستر اسكويير ) . أحتسي الخمر مهنيئا"نفسي بيوم مولدي ،خدر لذيذ يسيطر على اوصالي ربما لفرط ما شربت من هذا النبيذ ، تنبعث من حنجرتي اهازيج لا اعلم كيف وردت على لساني . الوقت يمر ببطء شديد في ممرات الارق ، افتقد الى طعم النوم الهانئ . لا اذكر آخر مره اطبقت جفنيّّ انام بلا خوف غير عابئ بما قد يحدث لي او مسترجعا" ما حدث ، طلقني النوم طلقة" بائنه لا رجعة فيها ، ذهب آخذا" معه راحة البال و السكينه و كل شئ جميل يعوزه ابن آدم ليحيا ، فبت احسد الدابة على قدرتها على النوم ، وددت ان تؤخذ مني آدميتي و اغدو من ذات الحافر اذا كان في ذالك ساعة نوم لا يقطعها الفكر .

الفكر اعتى ما يبتلى به آدمي في محياه ، يقضي على آدميته و يستبدلها بشئ غريب يتعذر وصفه . تيه دائم و شرود مستمر . يسمع و لا يعي ،ينطق بكلام نزع منه الروح ، يسلبه حريته تاركا" اياه اسير جدرانه يعصف به عصف الاعصار . يجوب به صحاري الشك بدلا" من مروج اليقين ، يستبدل السكينة بالريبه فيفضي به الى الجنون يتمنى الموت فلا يجيؤه يذوي و يهزل جسده ، ليتركه رفاة" في مقبرة الحياة .

ادركت الآن فقط اني كنت انظر الى الدنيا من خلال كوة في حائط تصدعت لبناته كما رداء بال ابى ان يتمزق ، يتعذر علي الحصول على رؤية كامله لما يحيط بي فاْلجا الى تاويله مفوتا" على نفسي رؤيه الشئ في مجله مكتفيا" بالقدر اليسير ، رافضا" أي يد امتدت لمعاونتي خوفا" من ما قد يتبع ذلك من العرفان .

لا استطيع ان انسى او حتى اتناسى يومي الاول في السريه 53 مشاه من الجيش الثالث الميداني التي كان يقودها المقدم جلال النبوي ، كانت قد انقضت علي اربعة اشهر في اكاديميه اعداد الضباط لم اكون خلالها اي صداقات باي من زملائ ولم اكن انوي باي شكل من الاشكال ان افعل ، لم تمضي الا لحظات على صعودي الى العنبر ،لم أكن حتى انتهيت من افراغ امتعتي. " تمام يا فندم " التفت الى مصدر الصوت ، رجل عظيم الشارب ، مندحق البطن في العقد الثالث من العمر ، قصير القامه ، انظر اليه ، اضاف مسرعا": "انا صف ضابط مجاهد الاسناوي يا فندم ، المقدم جلال باشا طالب يشوفك في مكتبه" ، ارد عليه وقد عدت الى امتعتي استأنف افراغها " طيب روح انت دلوقت وانا اوافيه في لحظات "، ادى مجاهد التحيه العسكريه مجددا" ثم ولى مدبرا".

امشي على غير هدى" في هذا المعسكر اللامتناهي الابعاد ، اسال احد الضباط الذي صادف مروره في هذه اللحظه " لو سمحت ممكن تدلني على مكان مكتب قائد السريه " يرد علي في دماثه قائلا": " طبعا" بس كده ، انت ابن حلال انا كمان رايح هناك " نمشي في صمت احث الخطي مجبرا" اياه ان يجاريني في سرعه خطاي ، اتخذت في ذلك وسيلة" لاْلهيه عن الحديث الي ، فكلما هم بالحديث اسرعت خطواتي ، " احنا بنجري ليه نفسي اعرف ، هو احنا علينا ذنب و انا ماعرفش " كان هذا صوته قادما من الخلف ، انظر اليه مخاطبا" اياه متوسلا" الله ان يجديني استفزازه "ايه تعبت ؟" قلت وانا ابتسم ممتعضا".

نظر الي و قد احمر وجهه ثم باغتني بالرد الذي كنت انتظر منه " ميين ده .. مش انا" اعرض عنه آذنا" باستكمال المشي الى وجهتنا و قد سرني حسن تقديري.

وصل كلانا الى غرفه من اللبن الاحمر في اللا مكان ، وضع فيها مكتب معدني اعتلته مروحه كهربائيه ، كرسيان خشبيان و صوفى قديمه بجوار بابها الحديدي . " ادينا وصلنا يا سيدي ، قولي انت كنت جاي تقابل مين هنا ؟" يخاطبني ويده تمتد الى منشفه معلقه على مسمار على الحائط، ثم خلع عنه فانيلته الداخليه التي بللها العرق ، استغربت سلوكه لاْول وهله كيف يسمح لنفسه ان تعبث يداه اشياء غيره. مازال يخاطبني " ما اتعرفناش ،انا مقدم صاعقه جلال النبوي " انظر اليه و قد خباْت ابتسامة" كانت سوف تزل من بين شفتاي، ارد عليه في ثبات " انا ضابط سراج شهدي القرنقوطي، مرحل من سلاح الحرب الكيماويه ،و انت كنت بعثت عاوز تشوفني "

ينظر الي و هو يستعدل هندامه ، انظر اليه متفحصا" اجد من غير اللائق ان أؤدي له التحية العسكريه. لم يكن جلال الا شابا" من العامه تدرج في السلم العسكري الى ان وصل الى هذا المنصب ، يظهر واضحا" على وجهه اصله الريفي على الرغم من انه يتحدث بلهجه قاهريه سليمه لا عيب فيها. هنا تذكرت ما قاله والدي عندما اعلنت الثوره قيام الجمهوريه " بكره نشوف على ايد اولاد الكلب دول اللي عمرنا ما شفناه ، مش بعيد نلاقي بكره ابن بكر الجنايني وزير" ، كث الحاجبين تفوح منه رائحة كلون آذى انفي استشاقه لشدة رائحته، مفتول العضلات ولكن لم يتسق جسده بشكل جميل حتى يبدو رشيقا". قاطع شرودي صوته وقد اصبح اكثر جديه " استاذ سراج طبعا" انت عارف كويس ان هنا مش زي برا، انا الي استغربت له انك جاي هنا بتوصيه مختومه من مكتب معالي اللواء رئيس الجيش الثالث، و بالرغم من ان شكلك ابن ناس و اسمك يدل على.....اقرنقوط هه" يبتسم بسخريه ثم اطرد مستكملا" حديثه " أنا كنت فكرت ان معادش في منكم خلاص بعد ما خلعتم بفلوس البلد لانجلترا و فرنسا ، و انت ايه الي جايبك من هناك لهنا ، كنت خليتك هناك مش كان احسن لك". انظر اليه نظرة خاليه من الحياه ، فحواها اني لا اشعر بشئ ، اشاور عقلي هل يستحق ان اجهد نفسي لارد عليه مازال يتحدث و لكني لا اسمع ما يقول، احسست بالقلق يتسرب اليه. ابتسم في وجهه ابتسامه هزت ما بقي لديه من ثقه في الذات ، في هذه اللحظه علمت ان الفضول و كثير من الاسئله تلتهمه و ذالك الغموض الذي احطته به يكاد يغضبه ، ليس من الحكمة ان ابقيه منتظرا" اكثر من ذالك تمتمت مخاطبا" نفسي، احدثه بصوت رخيم ثابت لا تتغير نبراته "يا سيدي اذا انت شايف ان العسكريه شرف ما استحقوش فهذا شانك ، اما انك شايف ان مكاني مش هنا. فابشرك انك ما قولتش حاجه ما اتقلتش. انا لست هنا من اجلك او من اجل نفسي انا هنا من اجل هدف ، واذا سوف تتحدث عن الطبقيه و الحراميه ، فانا هأسيبك و امشي لاني مرهق و محتاج استريح " ثم هممت بالوقوف، يقف جلال بسرعه و يلتف حول المكتب ، يضع يده على كتفي ليجلسني ثم يجلس مقابلا" لي على الكرسي الخشبي .

يخرج من جيب بنطاله علبة سجائر بلمونت ،تمتد يده الي هازا" علبة السجائر في طريقة وديه " سيجاره ؟" ارد عليه ابتسامته بابتسامه مماثله " ميرسي ، ما باغيرش" " اشوفلك اذا كان فاضل عندي سجائر كنت ، من بتوع أول الشهر " شكرا" مالوش لزوم " " طيب تشرب معايا شاي ؟" "شاي .... ممكن "

لاول وهله تخيلت انه سوف يقوم باعداد الشاي بنفسه ، ولكن بالرغم من توفر مايلزم في الغرف لاعداد كوبين من الشاي قام بقرع جرس ، لم تمضي لحظات الا و جاء شاب اقفهر وجهه من القيظ ، يلهث كأنما جاء راكضا".

"تمام يا فندم" يدب على الارض في حزم ، ينظر اليه جلال وقد عبس وجهه :"هات لنا كوبيتين شاي يا عبدو "

" حاجه تاني يا فندم؟" لا روح انت دلوقت، ثم اشاح عنه بوجهه مستكملا" حديثه معي . اخرج من جيبي علبه معدنيه لاهيا" عنه بلف السيجاره، الفها في سرعه و انه ، توقف عن الحديث عندما لاحظ عدم انصاتي له . اشعل السيجاره بعد ان مررتها على لساني . " وكان عليك بئيه، كل دي غلبه علشان تشرب سيجاره" قالها جلال متهكما". رمقته بنظرة ملأها الانتقاص و اللامبالاة. آثر جلال الصمت على الكلام في هذه اللحظه. "تمام يا فندم ، الشاي يا فندم " لم يكلف جلال نفسه عناء النظر الى الجندي " حطه على المكتب و امشي". ينظر اليّ الجندي ، ابتسم في وجهه ، آخذ منه الصينيه "شكرا" يا عبدو" نظر اليّ عبدو و جلال نظرتان متماثلتان، ولكني ايقنت ان فحوى كل منهما مغاير للآخر . صرخ جلال في وجه عبدو " انصراف يا عسكري "

" تمام يا فندم" و خرج مهرولا" الى الخارج، " اياك تعمل كدا تاني ، احنا في الجيش.... فاهم ، عاوز تعود العساكر علينا و شويه شويه تبقى مهزله انت ضابط لك مكانتك و برستيجك. اياك تتعاطى معاهم بالليونه دي ايا" كان السبب" قطعت عليه كلامه قائلا":"اصل العسكري ده طبعا" مش من مستواك اصله الخدام الي جابهولك دادي" انتفض من مجلسي واقفا" " مرسي على الشاي يا.... معالي المقدم، و مرسي على ترحيبك بيا استاذن انا بقى"

عندها و فقط في هذه اللحظه تكونت لدي صوره جليه عن مصر جمال و السادات و من قبلهما فاروق و فؤاد، لم ادرك حينها ان مصر كجراب الحاوي ... و ياما في الجراب يا حاوي .

***** ***** ***** *****

( 4 )

مازلت في تللك الغرفه ابيت فيما اصبح فيه اغزل هواجسي بالأرق بخيوط الوَحدة في صُحبه الخمر. اقف في الشرفه احملق في شفق تشوهت حسناته في مدينة الضباب ، ارنو ببصري طالبا ٌ النظر إلى شئ ٍ يسر ناظري و لكن أنَّى للضباب أن ينقشع. ألف جسدي بعبأة ٍ من صوف ، استرجع مزاعم البائع حينما اشتريتها بأنها سوف تمدني بالدفء أتلفح بها مستدعيا ٌ إياه . ابتسم و قد تجمدت أوصالي ، لم يكن البرد قارسأ ٌ ولكن كان هذا برود الروح التي خمدت نارها منذ... ، أحيا جسدا ٌ مجردا ٌ خاوي الداخل انظر فلا ارى الا ليلا سرمديا ٌ.

انامل ترتجف في محاولات يائسه لاشعال سيجاره انظر الى الدخان المتصاعد من عود الثقاب يتراقص حتى ينقشع مع تعاقب نسيم الفجر عليه . هنا ادركت ان لكل شئ ٍ نهايه و لكل نهايه بقايا لا يدركها صاحبها. انظر الى السماء متسائلا ٌ عن نهايتي و توابعها. اركن الى احد زوايا الشرفه اطبق جفني منتظرا ٌ ان يأتيني النوم ، انغمس في سبات يخلو من الراحه تنام العين و يبقى العقل يقظا ٌ تدور نواعيره .

ما يزال اللاوعي يسترسل في استرجاع ما مضى مقوضاٌ علي مضجعي، كان خالي السيد حلمي الخازندار قد استجاب لمطلبي و اودعني في سريه سميت سريه الشهداء و ذلك لان معظم المتطوعيين في عمليات حرب الاستنزاف كانوا من هنا، مما اثلج صدري و زاد من رهبتي للمكان ربما لاعتقادي اني مشروع شهيد لن يلبث الا و يتحقق . اجلس في (المييز) اتناول غدائي وحييداٌ حيث اعتدت ذلك منذ يومي الاول ، انظر الى الطرف الشرقي حيث اعتاد ان يجلس شاب بانت عليه علامات الارسطقراطيه فاره الطول اخطر العينين مستدق الانف ممتلئ الوجه لولا انه يجلس بيننا لاعتقدت انه اسكتلندي والغريب في الامر ان الضباط الآخريين حتى من هم اعلى منه مقاماٌ عسكرياٌ كانوا يهابونه و بالرغم اعتيادي رؤيته يومياٌ بلا انقطاع لم يكن يجلس في مكانه المعهود. "يا بش شاوييش اسناوي " قلت ذلك و انا في طريقي الى خارج المييز بصوت معتدل، " تمام يا فندم، اوامرك يافندم" " الامر لله ، قولي يا اسناوي هو الظابط إلي بيقعد لواحده في الزاويه الشرقيه ما جاش النهارده ليه؟" " يا فندم جَّصدك المقدم طه السويركي !" " ايوه ؟" "اصله راح عمليه امبارح بالليل و رجع متصاب " " وهوه فيين دلوقت" " هوه في المستشفى العسكري لو عايز تزوره يعني"

ليست هناك تعليقات: